أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
54
العقد الفريد
قيل لأعرابي : أي الألوان أحسن ؟ قال : قصور بيض في حدائق خضر . وقيل لآخر : أي الألوان أحسن ؟ قال : بيضة « 1 » في روضة غبّ سارية والشمس مكبّدة « 2 » . وقال أعرابي : لقد رأيت بالبصرة برودا كأنها صبغت بأنوار الربيع ، فهي تروع واللابس لها أروع . العتبي قال : سمعت أعرابيا يقول : مررت ببلد ألقى بها الصّيف « 3 » بعاعه ، فأظهر غديرا يقصر الطرف عن أرجائه ، وقد نفت الريح القذى عن مائه ؛ فكأنه سلاسل درع ذات فضول . وأنشد أبو عثمان الجاحظ لأعرابي : أين إخواننا على السّرّاء * أين أهل القباب والدهناء « 4 » جاورنا والأرض ملبسة نو * ر إقاح يجاد بالأنواء كلّ يوم بأقحوان جديد * تضحك الأرض من بكاء السماء لابن مطير : ابن عمران المخزومي قال : أتيت مع أبي واليا على المدينة من قريش ، وعنده أعرابي يقال له ابن مطير ، وإذا مطر جود ؛ فقال له الوالي : صفه ؛ فقال : دعني أشرف وأنظر . فأشرف ونظر ، ثم قال : كثرت لكثرة ودقه أطباؤه * فإذا تحلّب فاضت الأطباء « 5 » وله رباب هيدب لرقيقه * قبل التّبعّق ديمة وطفاء « 6 » وكأنّ بارقه حريق تلتقي * ريح عليه وعرفج وألاء « 7 »
--> ( 1 ) يريد بياض النهار . ( 2 ) مكبدة ، أي قد توسطت السماء . ( 3 ) الصيف : مطر الصيف ؛ وبعاعه أي ما يحمله من الماء . ( 4 ) القباب والدهناء : موضعان . ( 5 ) الودق : المطر كله ، شديده وهينه ؛ والأطباء : الضروع . ( 6 ) الرباب : السحاب الذي فوقه سحاب ؛ وهيدب أي متدل قريب من الأرض لثقل ما يحمل . ( 7 ) العرفج : نبت سهلي سريع الانقياد ؛ والألاء : شجر حسن المنظر مر الطعم .